كنا نعيش معاً .. أنا وهي .. لا أحد غيرنا.
كانت توقظني في الصباح بموائها الهاديء الجميل .. أو أوقظها أنا بمداعبة شعرها الناعم الرقيق مثلها .. لنتناول الإفطار و أرتدي أنا ملابسي و هي تراقبني بحزن بادِ في عينيها لأني سأغيب عنها طول النهار .. أنظر إليها و أبتسم لأطمئنها و أخبرها بأني سأعود .. سأعود إليها لأنها حياتي .
.......
عمل رتيب و ممل .. لا شيء جديد.
لا شيء جديد سوى الملل في ذلك العمل الذي يبعدني عن المنزل .. عن قطة حياتي.
أجلس في المكتب ليأتي كل يوم شخص يريد إنهاء بعض الأوراق ، و حالما ينهيها ربما يعود أو لا يعود .. لا يهم فالوجوه كلها واحدة ، كلها متشابهة لن أتذكر أحد و لا أريد أن أتذكر أحد .. فقط أريد العودة .. كل ما أريده هو العودة للمنزل .
.......
أصعب ساعة اقضيها في يومي كله هي تلك الساعة .. ساعة العمل الأخيرة .
في تلك الساعة أصبح في أقصى حالات مللي و انتظاري لانهاء العمل ، حينما إقتحمت مكتبي شابة بعيونها التي يقترب جمالها من جمال عيون قطتي .
أنهيت العمل .. و أنجزت لها ما تريد .. خَرَجت من المكتب معي .. و عند الباب نظرت في عينيها و هممت بإلقاء تحية وداع و قبل أن ينطق لساني و جدتها تدعوني لشرب عصير الليمون في المقهى المقابل .. رفضت بلطف .. أخبرتها بأن هناك من ينتظرني .
.......
أحبه كثيراً ذلك الإستقبال الحار منكِ .
أنا أيضاً أفتقدك .. لولا خوفي عليكِ من هذا العالم المتوحش لأخذتك معي إلى العمل .. و لولا أني لا أملك دخلاً غير عملي لما كنت خرجت من المنزل .. لكنها الحياة قطتي .
.......
لا أعلم لماذا آتت حينما تذكرتها .
و لا أعلم لماذا آتت من الاساس .. ألم تنهي أوراقها بالأمس لقد أنهيت لها الورقتين اللتين آتت بهما .. بل و أخبرتها أن تأخذ ورقة ثالثة كانت تنقصها لتكمل الأوراق المطلوبة ..
عجباً !!
كيف تذكرت كل هذا ؟! .. طول فترة عملي هنا لم أتذكر أحداً من الذين يأتون و يذكرون أسمي و يسبقونه بكلمة أستاذ .
هل لأني لا أنظر في أعينهم كما أنظر في عينيها الجميلتين .
.......
في نفس الوقت أتت .. لا أعلم لماذا..
ولا أعلم لما سألتها .. لا أعلم لماذا تنازلت عن أهم مبدأ لي هنا في العمل .. ممنوع التحدث خارج حدود العمل.
و لا أعلم لماذا لم أتدارك خطئي و استمعت لكلامها .. هل لأنه رقيق ؟ .. أم أنها هي الرقيقة .. أم أني أريد أحداً بتحدث إلي أم ...
- أستاذ / وحيد .. أستاذ / وحيد .
- نعم .
- أنتهى الدوام .. ولن أجد موظف الخزينة لتسديد رسوم الطابع .. سأتي غداً - إن شاء ربي - لأكمل الأوراق .
- حسناً .
- هل سنشرب عصير الليمون معي اليوم ؟
- لا .. أخبرتك ِ أني لا أستطيع فهناك من ينتظرني .
.......
لأول مرة أعود للمنزل ناسياً شراء طعامك .
سامحيني .. خذي قطعة اللحم هذه و ستعجبكِ .. ماذا بك ِ ؟!! .. أتعودتي على ذلك الطعام أم ماذا .. ؟
.......
حتماً إنها الواحدة .
أرتسمت الابتسامة على وجنتيها الجميلتين .. و قالت :
- نعم إنها الواحدة .. يا وحيد .. عذراً يا أستاذ وحيد الكلمتان قريبتان من بعضهما .. هذا ما أنساني كلمة أستاذ .
- لا عليك .
- لقد أعددت لكِ ورقتك .. أذهبي في المكتب المجاور و لا تتأخري .
نِعْمَ ما فعلت هو أن أعد لها ورقها .. هكذا ستنهي ما تريد في وقت قصير و لن أكون مضطراً لرفض تلك الدعوة التي أستصعب رفض رقتها.
- لماذا تأخرتي .. ؟!
- لقد طلبوا مني تسديد رسوم متأخرة للضرائب بجوارنا ذهبت و سددت .. إذا أنا لم أتأخر .. لماذا تراني متأخرة ؟
- أبداً .. كل ما هنالك أن الساعة الآن الواحدة و خمسون دقيقة .. و ..
- أفهم ما تريد قوله .. هاك الورق المطلوب .
.......
لن أطلب منك اليوم أن تشرب معي عصير الليمون
لأن المقهى كما تري مقفل اليوم .. فهلا شربته معي علي النيل في ساعة الغروب.
- ساعة الغروب جميلة على النيل .. شاهدت المنظر .. لقد أعجب قطتي جداً.
- عذرا..!!
- لا شيء.
- إذا موعدنا قبل الغروب على النيل ..
- لكن ...
- أرجوك .. شاهدته مع قطتك .. فلتشاهده معي و لن تندم.
- أممم .. حسناً.
.......
لست أرهب اللقاء .. و لكني أخشى الخروج.
أخشى أن أترك القطة .. كيف أتركها وحيدة حبيسة بداخل المنزل .. يكفيها عذابات النهار .. لكني وعدتها أن آتي .. لن يضير القطة ساعتان من الغياب.
لا ينقصني شيء .. الملابس مهندمة و كل شيء في مكانه حتى طعام القطة في مكانه.
- إلى اللقاء أيتها القطة .. لا لا لن تخرجي .. كم مرة علّي إخبارك بهذا .. أذهبي بعيداً من الباب كي أقفله .. سأتخر .
- أه .. كدت أن أنسى مفاتيحي .. سأتي بها .
- لا لا .. إلى أين تظنين نفسك ذاهبة .. لا .. توقفي .
نزلت السلالم بأقصى رعة لكي ألحق بتلك القطة .. سألحق بها .. لا .. إياكِ أن تفعلي .. لا تتخطي الشارع .
- حذارٍ أيها المجنون .. إلى أين تظن نفسك ذاهب ؟!!
- سأعبر الشارع ..
- ظننتك تستعبر تحت عجلات التاكسي.
- نظرت أمامي فلم أجدها .. أختفت القطة عن ناظري أدرت عيني علّني أراها .. لم أرى سوى عين سائق عربة الأجرة يحملق فيّ و الدهشة على وجهه.
فتحت باب العربة و ركبت .. ولا زالت نظرات الدهشة تعلو وجهه ..
قلت له واضعاً يدي على كتفه ..
إلى كورنيش النيل.
الحسين محمود20-5-2009
بعثرة ورق





4 التعليقات:
أجمل ما في هذه القصة هو نهايتها المنطقية و التي ما أن نصل لها حتى نههتف في أعماقنا " لقد كنا نعرف إن ذلك سيحدث " لماذا ؟
لأن الكاتب القى لنا بإشارات ضوئية تبين لنا هذا الطريق فالشابة لها عيون القطة ثم أن وحيد يبدأ في إهمال قطته ثم هاهو يعد الفتاة بأن يلتقيها لمشاهدة الغروب مثلما فعل مع قطته مما يصل بنا إلى حتمية استبدال القطة بالشابة
اسم (قطة حياتي) و هو العنوان به دلالة كوميدية تلعب على الجناس الناقص بين "قطة" و "قصة" فبدلاً من "قصة حياتي" العنوان هو "قطة حياتي"
اسم البطل وحيد يدل مباشرة على حالة الوحدة التي يعانيها
الشابة و القطة بلا أسماء مما سهل عملية استبدال إحداهما بالأخرى
رغم ما توحي به النهاية من أن البطل تخلى عن قطته فهذه ليست الحقيقة و العنوان هو "قطة حياتي" ، و البطل لم يتخلى عن القطة بل إن جذبه إلى الفتاة هو عيونها الشبيهة بعيون قطته فهو إنما يستبدل حيوانية / حقيقية بـ قطة بشرية / مجازية
اعتمد الكاتب فى هذه القصة على المجازية المنعقدة فى موضوعية الى حدما فى ربطه التشبيهى بين القطةالسجينة وسجنه فى عمله كما انه لابد من ادراك بعض قواعد اللغة من نحو وبلاغةلعدم افتياته على رصانة القصة والسرد الادبى ولئلا يترك مجالا لأهواء الناقدين ثم بعد تميزت القصة بالمنطقية فى الختام والموضوعية الى حد كبيرمما حدا بها الى ان تكون خليطا من الواقعية والخياليةالمجازيةوهذا فريد فى الكتابات القصصية المعاصرة وللعنوان دلالات على فحوى القصة لولا إضافة الحياة الى ياء التكلم مماجعل للقصة خصوصيةالتعلق فقط بكاتبهاومن ثم حاد بها الى الذاتيةمع قصده التعميم
أ/ عمرو .. أ/ محمد
شكراً ع نقدكم البناء
انسان يقول :
بعيدا عن الاخطاء الاملائيه التى يمكن تجنبها فيما بعد. القصه رائعه فيما يتعلق بجانبها السيكولوجى حيث يناقش الكاتب جوانب بعيده فى اغوار النفس الانسانيه تلك الجوانب التى تتعلق بالوحده وعلاقتها بالحاجه لاقتناء الحيوانات الاليفه بل ومعاملتها كافراد عاديين فى محاوله بائسه لتعويض النقص فى المشاعر الانسانيه الناتج عن الوحده وايضا لكسر الملل المتعلق يالبيروقراطيه الوظيفيه تلك الحاجه التى بدأت فى التلاشى مع ظهور الفتاه التى بدأت فى كسر وحدته البائسه واشباع حاجته للحديث الانسانى الطبيعى وتجلت تلك الحاجه فى قول الكاتب (أم أني أريد أحداً يتحدث إلي أم ... )وتنتهى القصه نهايه طبيعيه بتراجع الاهتمام بعلاقه البطل بالقطه فى ظل وجود الفتاه.
البطل لم يتخلى عن القطه بالفعل لان القطه لم تكن من البدايه هى الاساس بل كانت تعويض او اشباع جزئى لحاجه انسانيه بدأت بالتشبع الحقيقي مع ظهور الفتاه.
لم تكن "المشكله" ابدا فى عيون الفتاه الشبيهه بعيون قطه حياته بل فى وجود "فتاه" من الاصل تهتم به او ليس حتى فى وجود فتاه تهتم به بل فى وجود "احد" يتحدث اليه.
إرسال تعليق